QNB

هل وصل البنك المركزي الأوروبي إلى نهاية دورة التشديد النقدي؟

نشر يوم : Sun, 30 Aug 2026

في بداية العام، بدا أن البنك المركزي الأوروبي يتجه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير طوال عام 2026. فبعد نجاح عملية خفض التضخم، تراجع معدل التضخم إلى مستوى قريب من نسبة 2% المستهدفة من قِبل البنك، بينما بلغ سعر الفائدة على الودائع 2%، وهو مستوى يُعتبر محايداً على نطاق واسع. إلا أن تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران غيّر هذه التوقعات بشكل مفاجئ، إذ أدت الاضطرابات الحادة في الإمدادات والقيود المفروضة على حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز الطبيعي، مما دفع التضخم مجدداً إلى مستوى يتجاوز المعدل المستهدف.
QNB
أصبح صناع السياسات يشعرون بقلق متزايد من احتمال انتقال تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى، مما يساهم في بقاء التضخم على ارتفاع لفترة طويلة من خلال التأثيرات الثانوية. وتتأثر منطقة اليورو بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، إذ لا يشكل الغاز حصة كبيرة من واردات الطاقة لديها فحسب، بل يُعد أيضاً عاملاً رئيسياً في تحديد الأسعار في أسواق الكهرباء.
وفي ظل هذه الخلفية، رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو، لمنع ما كان يُنظر إليه في البداية على أنه صدمة مؤقتة في قطاع الطاقة من التحول إلى مشكلة تضخمية أوسع نطاقاً. وقد نجحت السياسة النقدية حتى الآن في احتواء هذه الآثار، ما لم يحدث ارتفاع إضافي وكبير في أسعار الطاقة لفترة طويلة. وفي هذا المقال، نناقش ثلاثة عوامل رئيسية تدعم هذا التقييم.
QNB
أولاً، تراجعت مخاطر التضخم التي دفعت البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة في يونيو. فعلى الرغم من الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، تشير بيانات التضخم الأخيرة إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا ينتقل على نطاق واسع إلى الاقتصاد. فقد كان التضخم الكلي والتضخم الأساسي في يونيو أقل من المتوقع، في حين يواصل نمو الأجور اعتداله، مما يحد من مخاطر التأثيرات الثانوية. علاوة على ذلك، انخفضت معدلات مقايضة التضخم باليورو، وهي مقياس قائم على السوق لتوقعات المستثمرين بشأن التضخم، إلى ما دون المعدل المستهدف للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2% خلال العام المقبل. وبوجه عام، تشير هذه التطورات إلى أن صدمة التضخم من المرجح أن تكون مؤقتة، مما يُضعف بشكل كبير مبررات مواصلة تشديد السياسة النقدية.
ثانياً، يعزز ضعف توقعات النمو في منطقة اليورو مبررات عدم فرض مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة الأساسية. فقد ظل نشاط الأعمال ضعيفاً، مع بقاء مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يجمع بين قطاعي التصنيع والخدمات، دون عتبة الـ 50 نقطة التي تفصل بين التوسع والانكماش خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وقد دفع هذا الضعف المحللين إلى خفض توقعاتهم للنمو، حيث تراجعت التوقعات المتفق عليها لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي هذا العام من 1.2% قبل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى 0.6%. ومن المرجح أيضاً أن يؤدي تباطؤ النمو الاقتصادي إلى تقليص الضغوط التضخمية الأساسية من خلال إضعاف الطلب في الاقتصاد ككل. وفي ظل هذه الخلفية، فإن أي تشديد نقدي إضافي قد ينطوي على مخاطر الضغط دون مبرر على اقتصاد هش بالفعل.
ثالثاً، تشير البيانات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي إلى أن صناع السياسات أصبحوا أكثر ارتياحاً لفكرة الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير. ففي اجتماع يونيو، أكد مجلس محافظي البنك أنه سيواصل اتباع نهج يعتمد على البيانات ويتم تقييمه في كل اجتماع على حدة، دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة الأساسية. وقد تعززت هذه الرسالة في المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي حول شؤون البنوك المركزية، الذي عُقد في سينترا بالبرتغال، حيث يجتمع محافظو البنوك المركزية والأكاديميون والمشاركون في الأسواق المالية كل عام لمناقشة آفاق الاقتصاد العالمي وتحديات السياسة النقدية. خلال المنتدى، أشارت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، إلى أن المخاطر المرتبطة بالتضخم والنمو أصبحت أكثر توازناً بوجه عام. كما أشار أعضاء آخرون في مجلس المحافظين إلى أن نهج الترقب والانتظار يُعد مناسباً، مع إبداء بعضهم استعداداً للإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير إذا ظلت البيانات الواردة تؤكد تراجع مخاطر التضخم. وبوجه عام، تشير التصريحات الأخيرة إلى أن مجلس المحافظين يركز بشكل متزايد على تقييم البيانات الواردة بدلاً من الاستعداد لزيادة أخرى قريبة في أسعار الفائدة الأساسية.
إجمالاً، يُعتبر قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة في يونيو استجابة مناسبة لمخاطر التضخم المؤقتة. إلا أن التقدم المستمر في عملية خفض التضخم، وضعف توقعات النمو، والتصريحات الأخيرة لمسؤولي البنك، كلها عوامل تشير إلى تراجع الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية أكثر. وما لم تحدث صدمة تضخمية جديدة أو تستمر ضغوط الأسعار الأساسية لفترة أطول من المتوقع، فمن المرجح أن تمثل زيادة أسعار الفائدة في شهر يونيو نهاية دورة التشديد النقدي للبنك المركزي الأوروبي، مع توقع بقاء أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير خلال بقية العام.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English عربي